مقدمة كتاب

في الشعر الجاهلي

طه حسين

 

تمهيد

 

هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل .

وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة.

وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي.

وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور .

وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد.

وقد تناول الناس منذ حين مسألة القديم والجديد واشتد فيها اللجاجة بينهم وخيل إلى بعضهم أنه يستطيع أن يقضي فيها بين المختصمين.

ولكني أعتقد أن المختصمين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التي يتعاطاها الناس من نثر وشعر والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني والألفاظ التي يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله ولكن للمسألة وجها آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه.

نحن بين اثنتين: إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قاله القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يطيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعي أو أصاب ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق واهتدى الكسائي أو ضل الطريق وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث.

لقد أنسيت، فلست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك.

أريد ألا نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبيت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى رجحان.

والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في كثير من الأحيان إلي الإنكار والجحود.

المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء لا يناله التغير ولا تبديل ولا يمسه في جملته وتفصيلة إلا مسا رفيقا. أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب. وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئا كثيرا.

ولندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن مقولة بشيء من الأمثلة: بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق . فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة، والأمر عليهم سهل يسير. أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقدارا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس حتى جاء عصر التدوين فدون في الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا؟ وإذا كان العلماء قد أجمعوا على هذا كله فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها فلم يبق إلا أن نأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إلية فإذا لم يكن لأحدنا بد من أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت فلنوازن بينهم ولنرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطا على ضبط ولنقل: أصاب البصريون وأخطأ الكوفيون أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب، لنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد: هذا مذهب أنصار القديم وهو المذهب الذائع في مصر وهو المذهب الرسمي أيضا مضت علية مدارس الحكومات وكتبها ومناهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف. ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية وإلى عاربة ومستعربة ومازال أولئك من جرهم وهؤلاء من ولد إسماعيل ومازال امرؤ القيس صاحب "قفا نبك" وطرفة صاحب "لخولة أطلال" وعمرو بن كلثوم صاحب "ألا هبي" ومازال كلام العرب في جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر.

النثر ينقسم إلى مرسل ومسجو ع إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يصنعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس، هم لم يغيروا في الأدب شيئا وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قاله القدماء وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في أفقه والمتكلمون في الكلام وأما أنصار الجديد فالطريق أمامهم معوجة ملتوية تقوم فيها عقاب لا تكاد تحصى وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث، هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا وهم لا يريدون أن يخطوا في تاريخ الأدب خطوة حتى يتبينوا موضعها وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف، هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء وإنما يلقون بالتحفظ والشك، ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانا، هم يريدون أن يدوسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما اجمعوا علية ويتساءلون أهناك شعر جاهلي؟

فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته؟

وما هو؟

وما مقداره؟

وبم يمتاز من غيره، ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد، هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة وعاربة ومستعربة، ولا أن أولئك من جرهم وهؤلاء من ولد إسماعيل ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يروون ذلك.

ويريدون أن يستبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين؟

والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرون يقينا وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه.

وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها وهم بين اثنتين: إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه، فيتعرضوا لما ينبغي أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغي أن يحتمله العلماء من سخط الساخطين.

ولست أزعم أني من العلماء ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأريد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا، ولكني مع ذلك أحب أن أفكر وأحب أن أبحث وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهى إليه البحث والتفكير، ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس علي أو سخطهم علي حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون، وإذن فلأعتمد على الله ولأجتنب بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير.

وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، أو قل ألح علي الشك، فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء، إلا يكن يقينا فهو أقرب من اليقين ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين.

وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي.

وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النظرية ولكني مع ذلك لا أتردد في أثباتها وإذاعتها ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاف الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يصنع، إننا لا نستطيع أن نتصوره تصورا واضحا قويا صحيحا.

ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى.

وستسألني كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة؟

ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤال، بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه، ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل.

 

وسترى أن هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة هي هذه النظرية التي ذكرتها منذ حين.

يجب أن أحدثك عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية قبل ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة. ويجب أن أحدثك عن حال أولئك الناس الذين غلبوا على أمرهم بعد الفتح في بلاد الفرس وفي الشام والجزيرة والعراق ومصر، ما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة. ويجب أن أحدثك عن نشأة العلوم الدنية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة.

ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام وبعده وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة ثم يجب أن أحدثك عن مؤثرات سياسية خارجية عملت في حياة العرب قبل الإسلام وكان لها أثر قوي جدا في الشعر العربي الجاهلي وفي الشعر العربي الذي أنتحل وأضيف إلى الجاهليين وهذه المباحث التي أشرت إليها ستنتهي كلها إلى تلك النظرية التي قدمتها: وهي أن الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شيء.

ولكني مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث لأني لا أقف عندها فيما بيني وبين نفسي بل جاوزتها.

وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها ذلك هو المبحث الفني واللغوي, فسينتهي بنا هذا المبحث إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء ولا أن يكون قد قيل وأذيع فبل أن يظهر القرآن.

 

نعم؟

وسينتهي بنا هذا البحث إلى نتيجة غريبة وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله، أريد أن أقول إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم القرآن والحديث، فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه .

فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هي هذه النظرية التي قدمتها، فسنجتهد في أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرا جاهليا حقا وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر، وبأني أشك شكا شديدا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية ومع ذلك فسنحاوله

 

منهج البحث

 

أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن أضطرهم إلى أن يتأولوا ويتملوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها.

أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة، أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة، أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي أستحدثه (ديكارت ) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدا وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث فلنصنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء.

ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورءوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة، وتحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة أيضا، نعم، يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك أنا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين.

وهل فعل القدماء غير هذا وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟

كان القدماء عربا يتعصبون للعرب أو كانوا عجما يتعصبون على العرب فلم يبرأ علمهم من الفساد لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم، ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا.

كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الإسلام فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه لم يعرضوا لمبحث علمي ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث إنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلي كلمته. فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه وما نافره انصرفوا عنه انصرافا.

أو كان القدماء غير مسلمين: يهود ونصارى أم مجوسا أو ملحدين أو مسلمين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمين الصادقون: تعصبوا على الإسلام ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغض منه والتصغير من شأنه فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء لتركوا لنا أدبا غير الأدب الذي نجده بين أيدينا ولأراحونا من هذا العناء الذي نتكلفه الآن ولكن هذه طبيعة الإنسان.

لا سبيل إلي التخلص منها.

وأنت تستطيع أن تقول هذا الذي تقوله في كل شيء فلو أن الفلاسفة ذهبوا في الفلسفة مذهب (ديكارت) منذ العصور الأولى لما أحتاج (ديكارت) إلى أن يستحدث منهجه الجديد ولو أن المؤرخين ذهبوا في كتابة التاريخ منذ العصور الأولي مذهب (سينيويوس) لما أحتاج (سينيويوس) إلى أن يستحدث منهجه في التاريخ وبعبارة أدنى إلى الإيجاز: لو أن الإنسان خلق كاملا لما أحتاج إلى أن يطمع في الكمال.

فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم.

ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوا، لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتجمد العرب أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلى ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية، فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء وليس من شك في أننا سنلتقي أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه.

فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض إنما الأهواء والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء.

فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا، وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتما على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم، بل هو حتم على الذين يقرءون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرءوا هذه الفصول.

فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارا حقا.

 

 

نقلا عن مجلة القاهرة

العدد (149 ) إبريل 1995

 

 

عودة